22‏/01‏/2018

التطرف وأثره السلبي على مستقبل التراث الثقافي






محاضرة
التطرف وأثره السلبي على مستقبل التراث الثقافي
ألقيتها في البيت الثقافي التابع لوزارة الثقافة 
يوم الأحد 21/1/2018

يرى علماء الاجتماع أنه لا توجد ظاهرة اجتماعية قهرية، إلا ولها أسباب قهرية. والتطرف ظاهرة من تلك الظواهر القهرية التي خلقتها أسباب قهرية.
ولتقريب صورته إلى الفكر يجب الابتداء بجذوره اللغوية والمصطلحية والتاريخية وصولا إلى حقيقته وأثره.....

التطرف لغة: المغالاة وتجاوز حد الاعتدال والمبالغة في تقديس الأفكار والعقائد السياسية أو الدينية أو المذهبية أو الفكرية. ومنه قالوا في اللغة: رَأَى خِصَاماً فِي الشَّارِعِ فَتَطَرَّفَ جَانِباً: اِبْتَعَدَ إِلَى الطَّرَفِ، أو الجَانِبِ الآخَرِ... وتَطَرَّفَتِ الْمَاشِيَةُ جَوَانِبَ الْمَرْعَى: إذا صَارَتْ بِأَطْرَافِهِ... وتطَرَّفَتِ الشَّمْسُ: دَنَتْ إِلَى الغُرُوبِ

والتطرف اصطلاحا: تعبير يستعمل لوصف أفكار أو أعمال، يُنظر إليها بأنها غير مبرّرة.
من الناحية الفكرية يستعمل المصطلح لوصم الأيديولوجية السياسية التي تعتبر بعيدة عن التوجه السياسي للمجتمع.
ومن الناحية العملية، يستعمل لوصم المنهجيات العنيفة المستعملة في محاولات التغيير السياسية أو العقائدية أو الاجتماعية.
وكل الوسائل غير المقبولة التي يقوم بها بعض أفراد المجتمع مثل التخريب أو العنف أو الترويع أو التخويف للترويج لجدول أعمال معين وتحت أي عنوان سواء كان سياسيا أم دينيا ام اجتماعيا يعد تطرفا.
وهناك من يستخدم المصطلح لأغراض لا تمت لحقيقته أصلا حيث يستخدم للتسقيط السياسي عادة، كما تفعل بعض الدول مثل أمريكا راعية التطرف في العالم التي تتهم هذا البلد أو ذاك بالتطرف لمجرد انهم يريدون الحفاظ على أسلوب حياتهم أو على عقيدتهم بعيدا عن إكراهات السياسات الدولية المتحيزة. وهذا ما أشار إليه (جيروم هيميلستاين) بقوله: (في أحسن الأحوال هذا الوصف التشخيصي لا يدل على شيء محسوس عن الأشخاص الموصوفين به، وفي أسوأ الأحوال يرسم صورة خاطئة. إنّ تصنيف شخص أو مجموعة أو عمل ما  بأنه متطرّف يبدو في أغلب الأحيان تقنية لتحقيق هدف سياسي، خاصة لدى الحكومات حيث يستعمل لتمرير قوانين معينة، أو حتى شن الحروب على دول أخرى).

هنا قد يثار سؤال مهم: لماذا لم يرد المصطلح في الخطاب القرآني أو في السنة النبوية؟
والجواب: إن من الحقائق المتفق عليها أن المصطلحات المتداولة اليوم في عموم المجتمعات ومختلف العلوم، لا تعني أنها تصف حدثا لم يكن موجودا من قبل. فكثير من أعمال التطرف كانت موجودة ومعروفة ومشخصة عبر التاريخ، لكنها غير مسماة، وقد جاءت التسمية لاحقا في عصر التخصصية والتعيين، وألا فإن مجرد وجود قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} [[البقرة/143]] يعني أن هناك مديان آخران، تقع الوسطية بينهما، ولنطلق عليهما تسمية (اليسار) و(اليمين) حيث أراد الباري أن نكون بينهما بيضة القبان. وهذا يؤكد وجود التطرف، ويؤكد معرفتهم به، لكن دون أن يستنبطوا له مصطلحا يشير إليه بالمعنى المتداول اليوم.
ومع ذلك نجد هناك مصطلحات أخرى استخدمها الخطاب القرآني توحي بأنها تشير إلى التطرف أو مرادفاته، منها على سبيل المثال:

مصطلح الغلوّ:
كما في قوله تعالى: { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا}[[النساء 171]]]
فالغلو الذي أشارت إليه الآية مرادف للتطرف، وحين تبحث في معاجم اللغة تكاد لا تجد فرقا كبيرا بين معنى الكلمتين. أما اصطلاحا فإن أصل الغلاء: الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شيء، يقال: غاليت الشيء وبالشيء، وغلوت فيه أغلو، إذا جاوزت فيه الحد، وهذا ما يتضح من أقوال المفسرين.
·       عرفه ابن حجر العسقلاني في فتح الباري بأنه: المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد، وفيه معنى التعمق والزيادة على ما لم يطلب شرعًا. 
·       وفسر الفخر الرازي الغلو بالإفراط في جانب التعظيم.
·       وفسره الزمخشري بأنه: مجاوزة الحد في التعظيم أو في الغض والتنقيص من شيء ما.
وهذا هو التطرف بعينه.....

ومنها مصطلح الإرهاب:
تكاد معاجم اللغة أن تحصر الإرهاب بالخوف، وقد وردت الكلمة في كثير من الآيات منها: ﴿لأنتم أشد رهبة﴾ [الحشر/13] ﴿ترهبون به عدو الله﴾ [الأنفال/ 60]، وقوله: ﴿واسترهبوهم﴾ [الأعراف/116]، أي: حملوهم على أن يرهبوا،
ويدل تعريف الإرهاب اصطلاحًا على أنه مرادف للتطرف، حيث عُرِّف بأنه: مجموع أعمال العنف التي تقوم بها منظمة، أو أفراد قَصد الإخلال بأمن الدولة، أو لتحقيق أهداف سياسية، أو دينية، أو فئوية.

فضلا عن هذين المصطلحين هناك على مستوى الفهم المجتمعي مصطلح التعصب والعصبية:
والتعصب لغة عدم قبول الحق عند ظهور الدليل بناء على ميلٍ إلى جهة أو طرف أو جماعة أو مذهب أو فكر سياسي أو طائفة. والتعصب من العصبية وهي ارتباط الشخص بفكر أو قومية أو جنس والانغلاق على مبادئه.
إن التعصب سلوك خطير يؤدي إلى/ أو يكون سببا للتطرف.. ومنه العصبية القبلية أو العنصرية القبلية أو النزعة القَبلية أو النزعة العشائرية التي تعني الموالاة التامة للقبيلة أو العشيرة أو العائلة ومناصرتها ظالمة أو مظلومة.
وهكذا نجد مصطلحات أخرى تدل على التطرف بشكل كامل...
عقليا وبسبب روح المنافسة المزروعة في البشر لا يمكن إنكار وجود التطرف عبر التاريخ الإنساني الطويل، فالتطرف رافق وجود الإنسان على الأرض بدلالة أن قابيل ابن نبي الله آدم (عليه السلام) وبسبب التطرف دون غيره، قتل أخاه هابيل.  


أسباب ولادة التطرف
من المؤكد أن التطرف هو الوليد الشرعي للعصبية، والعصبية هي الوليد الشرعي للعنصرية.
فالعنصرية تعرف على أنها: السلوكيات والأفكار والمُعتقدات والقناعات التي ترفع قيمة مجموعة أو فئة بشرية على حساب فئة أخرى، بناءً على مواريث تاريخية، أو اعتماداً في بعض الأحيان على لون البشرة أو الجنس، أو الثقافة، أو مكان السكن، أو العادات، أو اللغة، أو المعتقدات أو الطبقية المجتمعية. وهي الصفات نفسها التي تنطبق على العصبية التي تقود عادة إلى الطائفية، وهذه كلها تقود إلى التطرف فتتحد صفتها جميعا.
وقبل التحدث عن التسلسل التاريخي لمراحل التطرف الإسلامي يجب أن نعرف أن هناك عنصران مهمان يتحكمان بنزعات المجتمع:
العنصر الأول: الشخصية: وهي مجموعة الخصائص النفسية والسلوكية للفرد. تتفاعل عادة  مع الخصائص المماثلة لبقیة أفراد المجتمع، وصولاً إلى الموقف الاجتماعي العام من ظواهر الحیاة وأنشطتها المختلفة.
العنصر الثاني: الإطار التاريخي: وهو مجمل حركة الأحداث التاريخية ، ومؤشراتها الأساسية ، التي تركت بصمتها على الملامح الاقتصادية والاجتماعية والفكرية للمجتمع. وھي الملامح التي تُحدد بدورھا الأطر الرئيسية لبناء الشخصية. وكلما كان التاريخ مكتنزا بالوقائع والأحداث، كلما كانت فرصة تنامي التطرف أكبر، وهذا ما حدث فعلا في مجتمعنا الإسلامي.
لكن هذا لا يعني خلو المجتمعات الفقيرة تاريخيا من التطرف. ولا يعني أن التطرف ممكن أن يضعف تحت المؤثرات الجديدة حتى لو كانت دينية، فالتطرف كان موجودا ومشخصا في المجتمع الإسلامي الأول، تترجمه سلوكيات بعض أفراد ذلك المجتمع.
إن التطرف الإسلامي وليد التجارب والخبرات والخيبات، وهو الأمر الذي يحتاج إلى أن نتكلم عنه بصراحة ودون خوف، فالخوف والمجاملات والتهاون بمجموعها  أوصلتنا إلى ما نحن عليه اليوم.
لقد تنامى دور التطرف في المجتمع العربي الإسلامي عبر مراحل طويلة، فالمعروف أن العصر الجاهلي استقى تسميته من الجهل ضد الحلم لا الجهل ضد العلم، وهو مجتمع كانت له مقوماته المجتمعية التي تعارف عليها، وكانت هناك نظم ومتعارفات تقوده، تناسب مستوى النمو الفكري البشري لتلك المرحلة. ومن هنا شعر هذا النظام أن الإسلام يتهدد تراتبية حياته، بما فيها تلك الدرجات  الاجتماعية التي تمتع بها بعضهم على حساب المجتمع كله.
الاسلام من جانبه جاء بقيم جديدة تخص المساواة والعدل واحترام الإنسان وحرية التفكر والرحمة والتكافل الاجتماعي  وتنمية الروابط الإنسانية بين البشر.
ويرى (دينيس لويد) (Dennis Lloyd) في كتابه (فكرة القانون) أن العدل والمساواة من الناحية النظرية يفترضان أساسا أن يطبق القانون (وأيضا العرف) بالتساوي في جميع الحالات وعلى جميع الأشخاص دون خوف أو محاباة. وحينما حاول القانون الإسلامي فرض نفسه حدث التعارض بينه وبين القانون الجاهلي.
وكان مؤملا بالإسلام ان ينجح في تغيير الرؤى الجاهلية في عقول المجتمع الإسلامي، وهو الأمر الذي لم يحدث كما خطط له النبي، فعرب الجاهلية وبدوافع عنصرية متطرفة تمكنوا من مصادرة الدين خلال الأربعين عاما التي تلت وفاة النبي(صلى الله عليه وآله) بعد جهاد بدأوه في السنة الثامنة للهجرة، وأعلنوه بعد وفاة النبي مباشرة خلال جلسات مؤتمر السقيفة وما تلاها من أحداث، بدأت مع ما عرف باسم (حروب الردة) أو (حروب مانعي الزكاة) وحالات التطرف التي ارتكبت خلالها، بما فيها قتل مالك بن نويرة انتقاما لثأر جاهلي..
في هذه المرحلة الحرجة بدأوا بتفكيك الرؤى الإسلامية والحجر عليها، وأدخلوا بدلا عنها الكثير من رؤاهم الدنيوية السياسية والقبائلية، وكانوا بحاجة إلى من يشرعن لهم أعمالهم تلك، فولدت طبقة (وعاظ السلاطين) في المجتمع الإسلامي.
أخذ وعاظ السلاطين ووفق منهجية دقيقة مهمة تغيير المفاهيم الإسلامية بأخرى سياسية، بواسطة:
·       تغييب أثر السنة النبوية في الساحة الدينية لأكثر من قرن.
·       وضع الحديث وتزييفه.
·       خلق قصص أسباب النزول المحرفة.
·       استغلال منظومة الحديث المحرف وفن القصص الذي انتشر في المجتمع منذ غلافة عمر بن الخطاب(رض) لتفسير القرآن.
وإذا ما كانت تلك الحركات قد مرت بسلام دون اعتراض من أبناء المجتمع الأول، فإنها بعد تنامي وجود طبقة الموالي ذوي الأعراق والثقافات والأهداف والغايات المختلفة، تعرضت إلى إعادة توجيه، انعكس أثرها على المجتمع كله إلى درجة أنها أعادت تراتبية الدين والحياة، وتحولت إلى منظومة فكرية وقيمية تم بواسطتها منهجة حياة المجتمع الإسلامي.
طبقة السياسيين التي احتضنت الموالي نجحت في بناء منظومة جديدة تحمل تسمية (الإسلام) ولا تمت إليه بصلة، حيث أخذ السياسيون على عاتقهم دفع الموالي للقيام بإعادة بناء الفكر العربي الإسلامي، ومَّثل الموالي هذا الدور بإتقان كبير بالرغم من ازدواجية شخصياتهم إلى درجة التعارض الكلي مع الدين..
وكنتُ قد تكلمت في كتابي الموسوم "رجال البصرة في كتاب ربيع الأبرار للزمخشري وأثر منهج صنع الأرباب في بناء الموروث الجمعي" عن جمع غفير ممن اشتغلوا في التفسير والحديث، وتحولت رؤاهم وأقوالهم إلى ميزان معياري ومرجعا مقدسا نرجع إليه للتأكد من صحة عقائدنا، في ذات الوقت الذي كانوا فيه في منتهى التهتك والخلاعة والبعد عن الدين لسببين بسيطين:
·       الأول: تنفيذ رغبات الحكام ونيل أعطياتهم وهداياهم.
·       الثاني: الرغبة في تحسين مرتبتهم الاجتماعية، ليتحولوا من مجرد موالي إلى أسياد يُهاب جانبهم وتَحكم كلمتهم.
ولنأخذ (مقاتل بن دوال دُوز الخراساني) الأزدي بالولاء أنموذجا للمفسرين
قال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال: (مقاتل لم يكن ثقة، وما أحسن تفسيره لو كان ثقة) ووصم مقاتل بالكذب وعدم ضبط الإسناد والتدليس وأن حديثه ليس بشيء، واتهموه بالدجل.. وقال المروزي في تهذيب الكمال: (مقاتل متهم، متروك الحديث، مهجور القول لا تحل الرواية عنه)
ونقل عن مقاتل بن حيان قوله: (ما وجدت علم مقاتل بن سليمان إلا كالبحر)
ونأخذ المهلبي أنموذجا للسياسيين:
قال المسعودي في المروج: (وبلغ من أمر عسكره أنه كان ينادي فيه على المرأة من ولد الحسن والحسين والعباس وغيرهم من ولد هاشم.. تباع الجارية منهم بالدرهمين والثلاثة، ينادى عليها بنسبها: هذه ابنة فلان الفلاني)
ونأخذ يحيى بن أكثم أنموذجا للقضاة:
قالوا عنه: كان يكذب ـ كان يسرق الحديث ـ دجال ـ كان يجلس إلى موائد الخمر
وكان يحيى لوطيا، شاذا، مجاهرا بذلك، يتغزل بالغلمان، وعُزِل عن القضاء بسبب ذلك، قال المسعودي: (وكان يحيى بن أكثم قد ولي قضاء البصرة، فرفع إلى المأمون أنه أفسد أولادهم بكثرة لواطه... فأنكر المأمون ذلك واستعظمه وعزله)

وبالتالي خضع المجتمع، وخضعت ثقافته وعقيدته إلى قوى سلطوية مؤثرة، هي على التوالي:
·       السياسيون والولاة والقضاة
·       أهل الحديث والسيرة والتفسير والفقهاء والوعاظ والنساك
·       أئمة المذاهب
·       أصحاب الفرق
·       المؤرخون
·       الاستعمار الأعجمي الذي حكم الأمة باسم الإسلام
كل هؤلاء اشتركوا في إعادة بناء المنظومة الدينية، ثم من خلال اجتماع المنظومة المستحدثة مع ثقافة التكفير التي فشت في المجتمع، مع الغلو والعصبية والإرهاب والتخويف، ولد التطرف في الفكر الإسلامي وهو محصور في اتجاهين اثنين:
·       الأول: تقديس الخصوصية الفئوية مدعومة بحديث (الفرقة الناجية).
·       الثاني: الاستهانة الكلية بمقدسات الآخرين وقيمهم وعقائدهم ووجودهم.
ومن هنا وبتأثير هذه الثقافة الجديدة، ولدت منظومة فكرية تؤمن بأن كل الآخرين سواء من مسلمي الفرق الأخرى، أو من أتباع الأديان الأخرى، هم كفار يجوز شرعا قتلهم وسبي نسائهم وغنيمة أموالهم والاستيلاء على أراضيهم وتدمير تاريخهم. ومن خلاصتها ولد التطرف الإسلامي الحديث.
إن الانحراف العقدي، وضعف الوازع الديني، والجمود على النص، وعدم الاعتراف بشرعية الحكومات، والإيمان بما أطلقوا عليه تسمية (دولة الخلافة) التي ادعو أن النبي بشرهم بها، وتفشي ثقافة التكفير، لم يسهم في خلق الحركات الراديكالية الإسلامية المتطرفة المعاصرة فحسب، بل وأعطاها عذرا لمهاجمة الآخرين، وتدمير التراث التاريخي بعيدا عن العقل والمنطق. وأوحى للقوى العظمى بأنها أداة يمكن التحكم بها لتحقيق الكثير من المآرب.
وهذا إن كان مسكوتا عنه في الحقب التاريخية الماضية، لأسباب كثيرة جدا، فإنه اليوم تحول اليوم إلى قضية دولية تهم الجميع، ويعطي الجميع لأنفسهم حق الإسهام والمشاركة في كل ما يخصها.
فضلا عن ذلك أسهم التطور التاريخي والانفتاح وشعور الإنسانية بأنها أمة واحدة في تحويل التراث الآثاري من الملكية القطرية وسيطرة الحكومات التي تقع تلك الآثار في أراضيها إلى تراث إنساني، وملكية كونية، تخضع إلى سيطرة الأمم المتحدة والمنظمات الدولية.
لكن هذا لا يعني أن العالم أحرص من أهل التراث عليه، فما مرت به الآثار العراقية والسورية من تخريب على يد الإرهابيين، كان في واقعه مؤامرة كبيرة اشتركت فيها عدة جهات دولية، وداعش لم تكن سوى أداة للتدمير، ولو تعرضت غيرها من الآثار إلى ما تعرضت له آثارنا لوجدتم الجيوش العالمية تتحرك لوقف العدوان في وقت تحولت فيه مواقعنا الأثرية إلى معسكرات لقوات الاحتلال، وتحولت فيه آثارنا وتحت أنظار الحكومات العالمية والمؤسسات الدولية إلى معروضات في المتاحف العالمية أو لتزين بيوت الأغنياء الذين اشتروها من المزادات العالمية، بما يعني ان داعش قد خُلقت لتنفيذ أجندة متشعبة من ضمن نشاطاتها تدمير التراث العراقي، وأنها نجحت في مهمتها بسبب وجود التطرف الديني الذي دعمها وروج لفكرها.
ومن هنا أرى أن الإرهاب سلاح تدميري اسهم في صنعه:
·       الجمود على النص الديني
·       وعدم تحكيم العقل
·       والتخلف عن متابعة التطور الحضاري
فتحول إلى خطر يهدد الوجود كله، فهو لم يعد اليوم مجرد خلاف عقدي بين فرق في دين واحد، بل أصبح أحد أشد المخاطر التي تتهدد الوجود الإنساني على الأرض، وتتهدد الإنسان وجودا وتاريخا وحضارة.
وأصبح سلاحا تدميريا سهل التوجيه، تتحكم به قوى خارجية لها أجنداتها، بما يعني أنه خطر علىالإسلام قبل أن يكون خطرا على غيره.
وبناء عليه أرى أن محاربة الإرهاب لا تتوقف عند مطاردة الإرهابيين، فحسب بل يجب أن تذهب إلى:
·       محاربة الفكر الديني المنحرف الذي شجع الإرهابيين على تدمير موروثنا التاريخي العظيم.
·       تجفيف منابع الفكر الإرهابي والتكفيري.
·       العمل على نشر ثقافة التسامح والقبول بالآخر التي جاء بها الإسلام الحقيقي، لأن ما بقي من الآثار الإنسانية المعنوية والمادية ممكن أن يتعرض إلى ما تعرضت له الآثار وتعرض له الفكر.
فالأثر السالب للتطرف لا يقف عند حد تهديد مستقبل التراث الثقافي العالمي فحسب، بل يتعداه إلى تهديد قيم الخير والحب والجمال والإنسانية، وأول خطوات محاربته أن يبدأ المرء بنفسه، فيقومها، ويبدأ بانتقاء مفرداته التي يخاطب بها من يختلف معه فيهذبها، ويتنازل عن الأنانية ويحب جميع الناس.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته