31‏/01‏/2018

صدق المخزون الشعري في مجموعة "نوبات شعرية" بقلم الأديبة فاطمة منصور









للشعر عنصر جوهري يتفاعل مع الموسيقى وترانيمها بصعودها وتدرجها ,حتى تدخلنا عالمها الساحر من خلال الخيالات التي رسمها لنا الشاعر بحروف اشبه بالنوتة ... لتولد موسيقى داخلية اساسها انسجام المعنى والجمل والعبارات (مضمون الشعر وجوهره)
هي بدايات لملاحم اجتاحت العراق، واريقت بها دماء الابرياء الفجيعة
 الشاعر المتمكن من ادواته؛ هو من يستطيع ان يترجم كل ما في داخله وحوله بإحساس عميق وشفاف 
يا أخوتي النيامْ
نحنُ حَزَمْنا أمْرَنا
 لشقوةِ الطغيانْ,
ونحن بين الموت والميلاد
نيام..
لشاعر تمرغ كفاه بتراب الوطن، بجوع الفقراء الذي انهشه ... صراع مع الة القتل الوحشية التي يستعير الدمع لعينيه ليبكي ...ويبكي

أعيروني عيونا أبكي بها
فقد جفَّ دمعي
أعيروني ضميرا أخرس
لا عقلَ له ؛
كي أُلَمْلِمَ وجعي الدفين
قتلني الأنينُ والنواح
متى ولدتَ يا ولدي الحبيب
مهاجراً
تموت في الأمواج؟
 وبرغم آلامه وتجليه مع الحالة الا انه ينتفض بعز وكبرياء ويأبى الا  أن يرى العراق الا شامخا معافى ... حتى الشمس تشرق في ليله ... ليكون الحلم في وطن  آمن حقيقة.
ترجَّلي عن صهوة الغضب العصي
حُلّي قماطَ الرأس
خيوط النُذُرَ الخضراء
وأرخِ الوشاح الأبيض المخمور لوناً
من عناقيد الزهور,
إنَّهم عادوا على نصرِ الجدود
فوقَ هاماتِ اللصوص
يرفعون الرايةَ الحمراء ثأراً
تتوسطه الغربة القسرية التي تأرجحت في أجواء قصائده بين العرفان والغدر والحنين، فكانت مناجاة للأنا في وحدة متسولة حتى لخيال يلتحف الذات ليدفئ بعضا من ثلج الروح
لستُ بعيداً
فعلى بُعدِ شهقةٍ منِّي
يقع الوطن مضرَّجاً بفساد الحُكّام
وأنا انتحبُ لا لشيء؛ لأنَّ الأشياء ضاعتْ
ولم يبق لي إلا أنا,
ولكنَّ أناي مهشمةٌ  ,
تكاد تئنُّ من ظلامات الجور ,
يا لتعس الحياة حينما يقودها الجهلاء ,
ويخرس فيها الأُصلاء ,
ويبيع النبلاء شرفَهم على أبواب البرلمان !
انني موقنة ان مقياس موضوع النص في جودته يترك الاثر في ذائقة المتلقي كما قرأنا في نصوص شاعرنا بأسلوب نشأ من اللغة التي يلوكها الناس في الحياة الواقعية بصور غير معتادة، ابتعد عن التكرار بنهايات مفتوحة وتنقلات سريعة،
  منها التخيل والحقيقي والجزئي والعام والسطحي والعميق والغزل، كل هذا يجمعهم في التميز والجودة والاحساس بانها صور المخيلة لا تبتعد كثيرا، وان استخدامه المجاز والاستعارات بطلاقيتها لأنه  اولا واخيرا غاص في  اصول الكتابة الشعرية والنثرية، وما هو المسموح، وان كان خارج المألوف والمعتاد، كما ان الهروب وراء الابهام من اشد عيوب الشعر، فالذي لا يفرق بين المضمر في الكلام المفخم وبين (هرج ومرج) لا يدوم. قرانا نصوصا طويلةً، ليُسمع منها وأوجز ليحفظ عنها. الاسلوب المتميز الذي فيه من الايماء البين واللمحة الدالة وحتى الزيادة في الالفاظ فهي من الاطناب المحببة.
العشق اخذ مساحة واسعة اتساع مدى انفاسه العابقة بالحب والحنين والبوح حتى الالحاح بالمناجاة ...فأتى شفافا انساب وانصهر بترجمته.
عالج شاعرنا النص بعمق وبساطة, بأسلوب جديد تحليلي، وربط عناصره ببعضها ... كل شخص يعبر عن عواطفه وافكاره وتصوراته بطريقته، فكانت المعاني تمنح مضمون النفس لونا وطابعا خاصا, نصوص تجسدت في عبارة تصور لنا الحالة تصويرا دقيقا.
العبارة هي الانتقال (العبور) بالفكرة من داخل النفس الى الوجود الخارجي، ومن الذات الى الاخرين. فحقق شاعرنا هدفه بإيصالها إلى المتلقي بكل اتقان، لصدقه مع حرفه الذي استنطقه. خلجات النفس البشرية من خلال اطلاق عنان المشاعر الانسانية. مما تعرضه تلك النفحات التي يبوح بها الشاعر في المنتج الادبي. لتنبيه المتلقي الحاذق وما يريده النص من هدف. 
اكتمال العمل الفني الأدبي، انسجم مع موضوع القصيدة شكلا ومضمونا, فخلَت المفردات من الابتذال والركاكة في المعنى, بل جاءت وفق ذائقة عالية وتمكن لغوي سليم، ليشير كل ذلك إلى سعة ما يمتلكه الشاعر من ثقافة وثراء معرفي. وهنا لابد من الإشارة إلى توازي عمق الفكر مع العاطفة بحيث لم يغلِب أحدهما على الآخر كي يعطينا أبلغ الأثر والإمتاع..
حينما غربت شمسُ سنيني
وترجلتْ قوافلُ حنيني
كنتُ مشغولا بالنظرِ إلى شمسِ وجهك
فبهُتُّ ... وتهتُ ...
فأشرقتْ حنايا نفسي
بوهج يقيني  ,
فلملمتُ وقتها
 بقايا شتاتي
واهتديتُ ...
وانثنيتُ ...
ومشيتُ
والليل يمتدُّ خلفي
كطوفانٍ أحمق
بمتاهات أنيني

وفي الختام أنا على يقين ان هذا الديوان يحتاج إلى قراءة متأنية وحذرة، ودقة في تتبع الألفاظ، لان زهورها متنوعة، والوانها متعددة، تحتاج الى خيال واسع ليتنعم بجمالها ... محبتي وتقديري