عام 2012 وبعد
اللقاء الذي عقد في دار الأستاذ موسى فرج الرئيس الأسبق لهيئة النزاهة، واستكمالا
لما تم التباحث حوله في ذلك اللقاء، اجتمع في داري ثلة من مثقفي سبع محافظات بعضها
كانت ساخنة للتباحث في دور المثقف العراقي فيما يجري على الأرض، ومع الطعام قدمت
لهم أكلة (المثرودة) كرمز شعبي فطابت لهم إلى درجة أن الأديب العزيز الذي فارقا
يوم أمس زاحم جهاد مطر كتب عنها مقامة في منتهى الروعة، وهو ما حثني على كتابة هذا
المقال:
بالأمس القريب؛ حينما كان الإنسان العراقي
البسيط يتلظى بنار الفاقة ويشوى بنار الفقر كان توفير لقمة العيش للعائلة من أهم المطالب
وأسمى الأمنيات. وكان حلم توفير وجبة تسد رمق الأفواه الجائعة وتملأ تجاويف الأمعاء
الظامئة من أكبر الأحلام.
ضغوطات الحياة وقسوتها ومرارتها لم تجعل
أهلنا متطلبين يبحثون عما تشتهي أنفسهم، ولذا لم يكن هناك بينهم من يحلم بأكثر من سد
الأود بلقمة شحيحة على الفقراء، اللقمة العزيزة المطلوبة المفقودة ولذا كان طعامهم
اليومي محصورا بمفردات بائسة على عدد أصابع اليد الواحدة ليس من بينها اللحم فهو العزيز
المفقود، ولا الدجاج لمن هو ليس بفلاح، أو لمن يملك بضعة دجاجات يحرص عليها أكثر مما
يحرص على نفسه، يزورها صباحا بحثا عن بيضات للإفطار فإن لم يجد زمجر وعربد وسب الأبيض
والأسود، ولا السمك لمن هو بعيد عن مصادر المياه.
كان قدح الشاي أو شربة اللبن ورغيف خبز
الشعير أدسم وجبة صباحية، وكان الخباز (التولة) أو الحميض أو نبات الشيخ اسم الله وبعض
النباتات البرية الأخرى جل ما يمكن أن يوفر لوجبة الغداء، التي قد تميز في بعض الأيام
بان تكون مناسبة لطبخ مرق (الكوسة) الشجر أو الباذنجان أو الباميا لمن يمن الله عليه
بلطفه؛ فإذا زاد منها القليل احتفظ به إلى اليوم الثاني ليحتفل به مرة أخرى، كانوا
يأكلونها مع خبز الشعير لأن طحين الحنطة غال لا يقدرون على ثمنه، وطحين الشعير خبزه صعب عادة ولذا تتكون حول دائرة الرغيف حافة
سميكة جبسة يصعب أكلها كانوا يقطعونها ويضعونها أمامهم في طبق الخوص، أما وجبة العشاء
فكانت تقتصر على رغيف الخبز الذي كان حرانه
يجمع ما حران الغداء، وربما بطيخة حمراء (رقي) إن حصل وأصاب واحدة.
مربط فرسنا هي كمية المرق الفائضة عن الحاجة،
وحافات رغيف خبز الشعير التي يسمونها (الحران) والتي جمعوها من وجبتي الغداء والعشاء؛
فهي ستكون وجبة الغداء اللذيذة المرتقبة ليوم غد.
النساء الفاضلات كن يضعن باقي مرق الأمس
في قدر كبير ويضفن إليه كمية من الماء فإذا سخن قمن بتكسير حافات خبز الشعير (الحران)
ووضعنها فوق المرق داخل القدر وتبقى على النار إلى أن تمتص الماء الفائض فترق وتلين
ويحلو مذاقها ويطيب طعمها، ثم يقدمونها للعائلة وهي حارة تحرق الأصابع تحت اسم (مثرودة)
وهو اسم تاريخي ورثه العراقيون الفقراء عن أجدادهم القدماء، ففي المعجم الوسيط: ثرد
الخبز ثردا: فته ثم بله بمرق فهو ثارد، والخبز ثريد ومثرود. والمثردة: قصعة الثريد.
وفي مختار الصحاح: ثرد الخبز: كسره من باب نصر. وفي القاموس المحيط: ثرد الخبز: فته،
والثوب غمسه في الصبغ.
وعادة تكون كمية الحران أكثر مما تستوعبه
كمية المرق فلا تكون قادرة على بلله وترطيبه وتليينه وتكتفي بتلطيخه ببقايا لونها الباهت
وربما لهذا السبب أسموها "مثرودة". وهو وصف جميل وواقعي لأن أجدادهم العرب
القدماء أسموا المطر الخفيف الذي يصيب وجه الأرض ببلل قليل: الثرد، وقالوا: ثرَدَ المطرُ الأرض: أصابها منه قليل، فهي
مثرودة.
ولكنها سواء كان المرق قد ثردها كما يثرد
المطر الأرض؛ أو أغرقها حتى لانت واستكانت، كانت مقبولة مستساغة في كل الأحوال، ولكل
الأعمار والأجيال، وبناء عليه حازت على نوع من القدسية المصطنعة حتى أنهم اشتقوا لأبنائهم
أسماء أو كنى من جذرها، ففي مختار الصحاح أن جد عيسى بن إبراهيم الغافقي كان اسمه
"مثرود"، وكنية عوذ بن غالب المصري، وهو من الصالحين كانت "أبو ثراد"
وفق هذه الخصوصيات التراثية والتاريخية
والمجتمعية كانت المثرودة الطبق الرئيس الذي أجلسته بكبرياء أمام أنظار المفكرين والأدباء
والمثقفين الذين حضروا إلى داري من سبع محافظات عراقية للتحاور بشأن الثقافة والمثقف
والمسؤول، فإن لم يعجبهم طعمها أرجو أن يستلذوا بتاريخها وقيمتها فما كل مثرود يسمى
مثرودة، ولا كل مثرودة هي مثرود، والجود من الموجود، ورحم الله أجدادنا أهل الكرم والجود.