28‏/09‏/2017

حفل توقيع كتاب (إليك فقط؛ just for you) في شارع دجلة الثقافي






المحاضرة التي ألقيتها في حفل توقيع الكتاب في شارع دجلة الثقافي


بداية أتقدم بالشكر الجزيل للحضور، وللمشرفين على الشارع الثقافي، ولمنظمي الحفل.
أعزائي، لا يخفى عليكم أن العالم يتطور اليوم بخطوات واسعة جدا، لم يشهد لها التاريخ مثيلا.. ونتيجة التطور بدأ العالم يعيد تعريف المصطلحات، لم تعد المصطلحات مثلما كانت عليه، وهذا يتطلب منا أن نتماهى معهم من جانب، وأن نبدأ بإعادة تعريف بعض مصطلحاتنا، لكي تناسب التطور فالجمود لا يخدمنا.
ومن المصطلحات التي تحتاج إلى إعادة النظر، وإعادة تعريف هو موضوع (صراع الأجيال) التاريخي. فمع انه يبدو غالبا أن تقسيم الأجيال وفقاً للسنوات العمرية ليس أكثر من أمر شكلي، إلا أن الحقائق التاريخية تثبت كلها أن هذا الصراع تاريخي بامتياز، رافق الإنسان في جميع الحضارات.
لقد اختيرت كلمة (صراع) بدل (نزاع) لوصف هذا الحدث لأسباب مهمة جدا، ومنها أن الصراع يكون عادة بين طرفين يحاول كل منهما أن ينتصر على الآخر بالعقل والحكمة والجدال دون المساس بوجوده، أما النزاع فهو أشد شراسة من الصراع لأنه يفضي غالبا إلى التقاتل، فالانتصار أثناء النزاع لا يتحقق إلا بموت وانتهاء أحد الأطراف، ومن هنا كان الذي استخدم وصف الصراع حكيما وعاقلا.
هذا الصراع كان موجودا عبر التاريخ، وأخذ أشكالا كثيرة، اختلفت باختلاف الحضارات وسننها لسبب بسيط؛ وهو أننا نحمل معنا الاضطراب الذي رافق تشكلنا الفكري والعقلي والجسدي.
على مستوى العالم الإسلامي هناك مقولة خالدة للخليفة الراشد علي بن أبي طالب (ع) تقول: "لا تؤدبوا أولادكم بما أدبتهم فقد خلقوا لزمان غير زمانكم". ولكن المسلمين لم يعيروها أهمية، ولم يلتفتوا لأهميتها، ولا لأهمية التعامل مع التبدل، ومن هنا تجد الصراع محتدما على مر التاريخ الإسلامي.
إن صراع الأجيال ـ وعلى مر التاريخ ـ كان مشكلة أنية مرحلية تقوى وتضعف تبعا لنوع العلاقة مع الوالدين، والمستوى الثقافي للآباء والأبناء والمجتمع نفسه.
ولعل من أهم القضايا الشائكة التي ذاع صيتها في الآونة الأخيرة في العراق كان موضوع صراع الأجيال، ولاسيما بعد التحولات التي طرأت على البلاد، ومنها:

·       التحرر من رقابة الدولة.
·       دخول الهواتف الذكية وشبكات الانترنيت والفضائيات على خط التثقيف بعد أن كانت ممنوعة ومحرمة.
·       الانفتاح الاقتصادي، وما صاحبه من تطور تكنولوجي  وإعلامي.
·       تنوع التوجهات السياسية، وصعود نجم الإسلام السياسي؛ الذي تسبب بمشاكل عميقة بين المكونات.
·       ضعف الرقابة التربوية والتعليمية التي كانت متبعة بسبب دخول مناهج جديدة فرضها واقع التغيير.
وقد اجتمعت كل هذه المؤثرات ومخرجاتها فزاد من عمق الهوة بين  جيل محافظ متمسك بثقافته وعاداته وتقاليده القديمة وعقائده، وبين جيل نشأ في ظروف حياتية مختلفة مشبعة بغطاء ثقافي وإعلامي تواصلي منفتح على باقي العوالم، فوقع التصادم بين الجيلين.
إن هذا الصراع بالرغم من شراسته، لا كان حتى وقت قريب مجرد مشكلة محدودة التأثير، لكن الخطر الأكبر هو حينما تتحول (المشكلة) إلى (إشكالية)، فالمعروف أن المشكلة تكون عادة بين طرفين محددين ومعروفين، أما الإشكالية فتتدخل فيها مجموعة من الأطراف والمؤثرات الخارجية والنفسية والاقتصادية والسياسية والتربوية والعلمية ولذا يصعب حلها.
إن مشكلتنا الكبرى في العراق أن صراع الأجيال تحول إلى (إشكالية) عميقة بعد التغيير في 2003 مباشرة للأسباب المعروفة، ونتيجة هذا التبدل، سيطرت عليه اليوم ثقافة الاحتقار والتسقيط المباشر وبشكل يبدو أحيانا بعيدا عن الشرف والفروسية. قال نيتشه في كتابه (هذا هو الإنسان): "إن المساواة مع العدو هي الشرط الأول لنزال شريف، وحينما يوجد مجال للاحتقار لا يمكن للمرء أن يخوض حربا". وهذا ما لا نجده اليوم في العراق، بعد أن خرجت مقاييس الصراعات والنزاعات عن حدودها المعقولة، بما في ذلك صراع الأجيال؛ الذي من المفروض أن يكون أقلها تأثرا بتداعيات ومخرجات الواقع، ولذ سعيت من خلال كتاباي هذا إلى التأسيس لمنهج حواري دائم، ينطلق من منبر المساواة والاحترام بعيدا عن التشهير والتكفير، وأتمنى أن أكون قد وفقت في مسعاي.
إن التاريخ ماكر، لكن من منا يمكنه أن يتوقى مكر التاريخ؟ من مرشح لذلك: الديني/ العلماني/ السياسي/ المدني/ الملحد/ المثلي/ عابد الشيطان .. التسميات كثيرة وبعددها وأكثر منها هناك اختلاف في تناول التاريخ .. وحينما يكون الخلاف عقلانيا لا توجد خشية على المجتمع، المجتمع يتهدد بالتشطي وتفشي روح الكراهية بين مكوناته  حينما يغيب العقل، حينما تتحكم العاطفة والأهواء والميول دون النظر إلى الأسباب والمسببات.
إن مما يجب علينا جميعا إدراكه أن لكل جيل منطلقاته الفكرية التي تحدد طريقته في الحياة والسلوك والملبس والمأكل، ويكون هذا الاختلاف منطقيا وطبيعيا ضمن سياق التطور الاجتماعي، شرط أن لا يتحول إلى نزاع وتنافر يباعد المسافات الجيلية بين الآباء والأبناء داخل المجتمع وداخل الأسرة التي تعد البنية والخلية الأساسية لبناء المجتمع.
من هذا المنطلق حاولت بهذا الكتاب تسليط الضوء على بعض جوانب هذه الإشكالية، للتعرف على أسبابها ونتائجها، والإشارة إلى أهمية التماسك المجتمعي، ودعوة كافة الأطراف إلى التعامل معها بحذر وبعقل منفتح، مع الابتعاد الكامل عن الكراهية والتلويح بالشر والتهديد.
لقد أكد الكتاب أن كل محور في الكون يتعرض عادة إلى خطين مهمين من القوى: خط أفقي، والآخر عمودي، الأفقي هو خط المواجهة الحدية التي قد تصل إلى سفك الدماء، وهذا ما نخشاه ونعمل على منع وقوعه.
والعمودي هو الأفق التصاعدي المتسامي الدال على التسامح، والمفعم بالمحبة، والمدعوم بالعقل السليم والتفكير الناضج، وهذا ما ندعو إليه.
وللتأسيس لهذا المنهج أرى أن من الضرورة بمكان أن تتخلى الأطراف عن تشنجها وحديتها، وأن تحترم الخصوصيات التي لا تؤثر على نهضة وتطور وسلامة المجتمع، ولكن ما مقدار ما يمكن أن نحققه مع وجود ضغوط فاقت الوصف؟
سألت هذا السؤال لأني نشرت على صفحتي في الفيسبوك موضوعا عن (تشميت العاطس) وذكرت أن هناك من ينتقد الإسلام لأنه يؤمن بهذه (الخرافة) كما أسموها، للدلالة من خلال ذلك على (الخرافات) الأخرى التي يعتقد بها الإسلام، وأنا كنت قد سمعت ذلك بأذني خلال إحدى الجلسات، ولذا بحثت في ثقافات الحضارات القديمة عن أصل لهذا الأمر، فوجدت (باسكال كينيار) قد ذكر في كتابه الموسوم (الجنس والفزع) أن الإمبراطور الروماني (تايبيريوس) في سنة (14 قبل الميلاد) كان يحيِّ العاطس ذكرا كان أم امرأة.. فضلا عن ذلك، قرأت أن الشعوب الغربية ومنها الشعب الأمريكي لا زالوا إلى الآن يشمتون العاطس بقول (يرحمك الله)، بمعنى أن هناك مجتمعات قديمة وحديثة تقوم بما يقوم به الإسلام فلماذا يستهدف الإسلام وحده؟ فتداخل على الموضوع أحد أصدقائي الشباب وكان مشدودا بشكل غريب لدرجة أنه لم يلق التحية عليَّ! من هنا أتمنى من كل قلبي أن نغادر حالة الشر وتبادل الاتهامات الفارغة إلى حالة النبوءات والأحلام والأمنيات السعيدة، وأن يكون العقل وحده هو الحكم بين المتخاصمين.
لقد أفنيت من عمري على قليل ما بقي منه عاما كاملا في كتابة هذا الكتاب، وطبعته دون مساعدة أو عون، ووزعته عليكم مجانا، لسبب بسيط واحد؛ وهو أن أـجدكم تتفاعلون مع ما جاء فيه، وتفيدون من تجاربنا. وفي الختام أتمنى لكم قراءة ممتعة ومفيدة ... ويهمني جدا سماع آرائكم بالكتاب.